حسن الأمين

87

مستدركات أعيان الشيعة

وشر وحسن وقبيح ، لأن ما في هذا العالم من هذه الأشياء كلها هو بمثابة العينة التي تدل على ما هو خاف عنا في عالم الغيب ، يقول جابر : إن هذا الاستدلال لا يستقيم إلا إذا أثبتوا أولا أن ما في هذا العالم هو جزء من كل ، وأما إذا لم يثبتوا ذلك امتنعت ضرورة النتيجة التي انتهوا إليها ، أفلا يجوز أن يكون النور الذي في هذا العالم هو كل ما هنالك من نور ، والظلمة هي كل ما هنالك من ظلمة ، وهكذا قل في الخير والشر والحسن والقبيح ؟ « ألا ترى أن الأنموذج لا يثبت عند من دفع إليه كم من ذلك الجوهر عند من أراه ذلك الأنموذج ، بل لا يثبت عنده بعلم يقين أن عنده من ذلك شيئا غير ما أراه ( 1 ) . ولا يفوت جابرا هنا أن يعرج بالحديث على كتبه - وهو كثيرا ما يفاخر بها - فيجعلها مثلا تطبيقيا توضيحيا لمبدإ الاستدلال بطريق المجانسة ومدى ما يعرض صاحبه له من خطا ، فيقول : إن من لم يقرأ كتبي كلها بكل ما فيها من تفصيلات وتعليقات ، مكتفيا ببعضها دون الآخر ، قمين أن يكون فكرة خاطئة ، فمن قرأ كتابين من كل فن من فنون كتبي هو أعلم ممن قرأ كتابا واحدا من كل منها ( 2 ) . ويذكر جابر اعتراضا قد يوجه إليه في قوله إن الجزء لا يؤتمن في الحكم على الكل ، يذكر هذا الاعتراض ليرد عليه ، فقد يعترض معترض بقوله : إن الجزء والكل أمران متضايفان لا يعقل أن يوجد أحدهما بغير الآخر ، فمجرد قولك عن شيء أنه جزء يقتضي بالضرورة أن يكون هناك الكل الذي يحتويه ، وكذلك مجرد قولك عن شيء أنه كل يقتضي بالضرورة أن له أجزاء تدخل فيه ، لكن الاعتراض مردود بما يأتي : هذا كله صحيح على شرط أن يثبت لنا أن النموذج المقدم هو جزء ، ومن أين يجيئنا هذا اليقين إذا قدم لنا شيء ما أنه ليس هو الجنس كله ، وليس جزءا يندرج في جنس يضمه مع غيره من الأجزاء التي تجانسه ؟ الاستدلال [ المنبني ] المبني على جري العادة : هذا هو الاستدلال الاستقرائي الذي يصل به صاحبه إلى التعميم عن طريق مشاهدته لعدة أمثلة يراها متشابهة في ناحية من نواحيها فيعمم عليها الحكم تعميما يجعلها زمرة واحدة ، فكأنما يبنى المستدل تعميمه في هذه الحالة على عادة يتعودها في مشاهداته ، إذ يتعود أن يرى صفتين - مثلا - مقترنتين دائما ، فيتوقع بعد ذلك إذا ما رأى إحداهما أن يرى الأخرى ، وبطبيعة الحال لا يكون هذا التوقع قائما إلا على أساس احتمالي ، إذ ليس هناك ما يمنع أن تجيء الحوادث على غير ما قد شهدها الإنسان في الماضي ، وعلى غير ما يتوقع لها أن تكون ، وأنه لمما يستوقف النظر في هذا الصدد أن نرى تطابقا تاما بين ما يقوله جابر بن حيان في هذا الضرب من الاستدلال ، وما قاله ديفد هيوم في القرن الثامن عشر ، مما يعد أبرز طابع في فلسفته ، فكلاهما ينبه إلى أن الاستدلال الاستقرائي قائم على أساس « العادة » وحدها ، وبالتالي فهو استدلال احتمالي لا تحتمه الضرورة العقلية ، فليس فيه بعبارة ابن حيان : « علم يقين واجب اضطراري برهاني أصلا ، بل ( فيه ) علم اقناعي يبلغ إلى أن يكون أحرى وأولى وأجدر لا غير » ( 3 ) . ويمضي جابر بن حيان في الحديث عن الاستدلال الاستقرائي فيقول ما معناه : إن الناس يكثرون من استخدام هذا الاستدلال ويستندون عليه في أمورهم أكثر مما يستندون إلى أي ضرب آخر من ضروب الاستدلال ، لأنه قياس واستقراء للنظائر واستشهاد بها على الأمر المطلوب إقامة الحجة على صوابه ، وليس هذا الضرب من الاستدلال المبني على الشواهد هو ما يطلق عليه في المصطلح المنطقي « بالبرهان » ، إذ البرهان لا يكون إلا في حالة الاستنباط الذي [ نولد ] تولد به النتيجة من مقدماتها توليدا يجعلها صريحة بعد أن كانت مضمرة في تلك المقدمات ، فإذا كانت المقدمات صحيحة لزم بالضرورة أن تكون النتيجة صحيحة كذلك ، فالاستقراء والبرهان ضربان متعارضان : الأول احتمالي والثاني يقيني ، الأول يتفاوت قوة وضعفا « بحسب كثرة النظائر والأمثال المتشابهة وقلتها » ، والثاني لا تفاوت فيه بين قوة وضعف لأنه لا تفاوت في درجات اليقين ، ويقول ابن حيان : إن قوما قد ظنوا أن ( الاستقراء يمكن أن يكون مؤديا إلى علم برهاني يقيني ، وذلك إذا اطردت النظائر المتشابهة اطرادا لا يشذ فيه مثل واحد ( 4 ) . ولهذا يرى ابن حيان أنه جدير بالقول المفصل ، حتى لا يختلط أمره في عقول الباحثين ، فيقول ( 5 ) : إن أضعف استدلال من هذا القبيل هو ذلك الذي لم يوجد له إلا مثال واحد نقيس عليه حكمنا العام ، « كرجل قال مثلا : إن امرأة ما ستلد غلاما ، فسألناه عن الدليل من أين علم ذلك ؟ فأجابنا بان قال : من حيث إنها ولدت في العام الأول غلاما ، ولم تكن تلك المرأة ولدت إلا ولدا واحدا فقط « . . هذه هي أضعف حالات الاستقراء ، وأما أقوى حالاته فهي تلك التي نجد جميع ما في الوجود مطردا فيها على مثال واحد ، ولا نجد أبدا ما يخالف ، » كرجل قال : إن ليلتنا هذه ستنكشف عن يوم يتبعها ويكون بعقبها ، فسألناه من أين علم ذلك فأجاب بان قال : من قبل أني لم أجد ليلة وإلا وانكشفت عن يوم « ( 6 ) تلكما هما أضعف الحالات وأقواها بين حالات التدرج في القوة والضعف » وأما ما بين هذين فقوية وضعيفة في الدلالة بحسب كثرة النظائر وقلتها ، وليس في هذا الباب علم يقين واجب « فإذا جاز لنا أن نستشهد في أمثال هذه الحالات بحيث نحكم بالحاضر على الغائب ، فما ذاك إلا » لما في النفس من الظن والحسبان ، فان الأمور ينبغي أن تجري على نظام ومشابهة ومماثلة ، فإنك تجد أكثر الناس يجرون أمورهم على هذا الحسبان والظن ، ويكاد أن يكون ذلك يقينا ، حتى إنه لو حدث في يوم ما من السنة حادث لترجو حدوث مثل ذلك الحادث بعينه في ذلك اليوم من السنة الأخرى ، فان حدث في ذلك اليوم بعينه من هذه السنة مثل ذلك الحادث تأكد عندهم ذلك أن سيحدث مثله في السنة الثالثة ، وان حدث في السنة الثالثة أيضا ، حتى إذا حدث ذلك مثلا عشر مرارا في

--> ( 1 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 416 . ( 2 ) المرجع نفسه ، والصفحة نفسها . ( 3 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 418 . ( 4 ) المصدر السابق نفسه ، الصفحة نفسها . ( 5 ) المصدر السابق نفسه ، ص 419 . ( 6 ) المصدر السابق نفسه .